ترى نسرين مالك، كاتبة العمود في صحيفة «الجارديان»، أن العالم يعيش تحت وطأة قرارات رجل متقلب ومغرور سريع الملل، محاطة بدائرة من الموالين الذين يسايرونه، في وقت تتسع فيه تداعيات حرب الولايات المتحدة مع إيران لتشمل ارتفاع أسعار الطاقة، وسقوط آلاف الضحايا، وتصاعد حالة انعدام الأمن، وزيادة الضغوط الاقتصادية على الحكومات والأسر في مختلف أنحاء العالم.


وبحسب ما كتبته مالك ونشرته صحيفة الجارديان، يصعب على المتابع، مع تبادل الولايات المتحدة وإيران الضربات خلال الأيام الماضية، أن يصدق أن البلدين وقعا مذكرة إسلام آباد قبل شهر واحد فقط، والتي أرست إطارًا لإنهاء الحرب وحددت فترة 60 يومًا للتفاوض على الشروط النهائية للاتفاق.

 

لكن كثافة التصريحات والتهديدات والضربات والتراجعات جعلت الصراع يبدو وكأنه بدأ وانتهى مرات عدة، رغم أن الحرب لم تدخل سوى شهرها السادس، وأصبحت تدريجيًا جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية، في مشهد متكرر يصعب تمييز فصوله عن بعضها إلا لمن يتابع التفاصيل الدقيقة.


حرب لا تنتهي وأزمة تتسع من الخليج إلى البحر الأحمر

 


تتغير الرواية الأمريكية والإيرانية بشأن الحرب بصورة متسارعة؛ فمرة يقال إن الحرب انتهت، ومرة أخرى إنها بلغت ذروتها، بينما تتبدل التصريحات بشأن الإيرانيين بين وصفهم بالشجاعة واتهامهم بالانحطاط، كما تتناقض الروايات حول موقفهم من وقف إطلاق النار، في حين يبقى وضع مضيق هرمز غامضًا بين كونه مفتوحًا أو مغلقًا أو مفتوحًا جزئيًا.


وبحسب التطورات الأخيرة التي تستعرضها الكاتبة، وسعت الولايات المتحدة ضرباتها الجوية على إيران في إطار ما وصفته بـ«عقاب عسكري كبير»، بينما استهدفت إيران مجددًا قواعد أمريكية في أنحاء المنطقة. كما أعلن الحوثيون حصارهم الخاص لنقطة اختناق بحرية ثانية، ما أدى إلى اتساع نطاق الحرب من الخليج إلى البحر الأحمر.


وترى مالك أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أصبح عالقًا في الحرب، بعدما أدركت إيران حجم النفوذ الذي يمنحه لها مضيق هرمز وموقعه الجغرافي، وما يترتب على ذلك من أفضلية عسكرية. ولم يعد بإمكان ترامب إنهاء الحرب بسهولة، كما لا تستطيع إيران إنهاءها من دون التخلي عن ورقة الضغط التي يمثلها المضيق.


ولا يستطيع ترامب الانسحاب بشروط تعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع المضي إلى النهاية. فإرسال قوات برية سيقود إلى حملة عسكرية طويلة ودامية قد تحصد أرواحًا كثيرة.

 

كما أن في الولايات المتحدة، أثار مقتل 18 جنديًا حتى الآن، وسط اتهامات للبنتاجون بمحاولة التقليل من العدد الحقيقي للقتلى، موجة من الغضب.


وتحذر الكاتبة من أن هذه المعادلة قد تدفع واشنطن إلى اتباع منطق «التكلفة الغارقة»، أي الاستمرار في ضخ المزيد من الأموال والأرواح في صراع يصعب الخروج منه، لمجرد أن البلاد أنفقت بالفعل موارد ضخمة عليه.


وتشير إلى أن الحرب كلفت الولايات المتحدة نحو 40 مليار دولار، بينما يطلب البنتاجون 67 مليار دولار إضافية. كما طلب البيت الأبيض من الكونجرس اعتماد موازنة ضخمة بقيمة 1.5 تريليون دولار للسنة المالية.


وتربط مالك بين هذه الإنفاقات العسكرية المتزايدة والضغوط التي قد تتعرض لها الخدمات والإنفاق الداخلي في الولايات المتحدة. وتستشهد بتصريحات لترامب قال فيها في وقت سابق من العام إن بلاده تخوض حروبًا، وإنها لا تستطيع في الوقت نفسه تحمل تكاليف رعاية الأطفال وبرامج «ميديكيد» و«ميديكير»، معتبرًا أن الأولوية يجب أن تكون للحماية العسكرية.


وتنتقد الكاتبة هذا المنطق بشدة، متسائلة عن جدوى حرب تقول إنها بدأت بقرار أمريكي، ولم يطلبها أحد، ولا تحمل طابعًا دفاعيًا واضحًا، بينما يديرها، وفق وصفها، أشخاص يتعاملون مع السياسة الخارجية وكأنها ساحة للاستعراض والقوة.


أسعار النفط والطاقة.. العالم يدفع فاتورة الحرب

 


لا تقتصر تكلفة الحرب، وفقًا لمالك، على الجنود والمدنيين والبنية التحتية، بل تمتد إلى اقتصادات دول الخليج واستقرارها السياسي، بل وحتى إلى مصادر مياه الشرب فيها، في ظل استهداف إيران لمحطات تحلية تعتمد عليها عدة دول بصورة كبيرة.


لكن التأثير الأوسع يطال الأسر في مختلف أنحاء العالم، إذ تجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل خلال الأسبوع الماضي، وارتفعت أسعار الطاقة بصورة عامة. وصعد سعر خام برنت بنحو 40% مقارنة بمستوياته قبل اندلاع الحرب، بينما ارتفع سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة بنسبة 37%، وقفز سعر الديزل بنسبة 40%.


كما شهدت أسعار الغاز في بريطانيا ارتفاعًا حادًا، إذ زادت بنحو 50% خلال شهر واحد فقط، مع توقع ظهور تأثير ارتفاع أسعار النفط الجديدة على أسعار الوقود التي يدفعها المستهلكون خلال الأسابيع التالية.


وترى الكاتبة أن هذه الزيادات لا تمثل مجرد أرقام اقتصادية، بل تعكس إعادة تشكيل واسعة لخريطة الطاقة العالمية، في وقت تواجه فيه اقتصادات مختلفة أصلًا أزمات وضغوطًا متراكمة.


وتشمل هذه الضغوط الاقتصادات الرأسمالية الغنية التي تعاني من آثار الخصخصة وارتفاع الأسعار والممارسات الاحتكارية، وكذلك الاقتصادات الأكثر فقرًا التي لا تملك الحكومات فيها القدرة على تحمل المزيد من الأعباء نيابة عن مستهلكين يعانون أصلًا من ضغوط المعيشة.


وقد اندلعت احتجاجات بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود في دول مختلفة، وأدت إلى تعطيل حركة النقل، من أيرلندا إلى كينيا.


وفي ظل هذه الظروف، ترى مالك أن اللحظة الراهنة كانت تستدعي إجراءات تساعد على تحقيق الاستقرار وتعزيز الثقة في إدارة الاقتصاد، لكنها تنتقد بدلًا من ذلك سياسات إدارة ترامب التجارية، بما في ذلك فرض رسوم جمركية جديدة على أساس أن بعض الدول لا تبذل جهودًا كافية لمواجهة العمل القسري.


وتشكك الكاتبة في المبررات التي تقدمها الإدارة الأمريكية لهذه السياسات، وترى أن الرسوم الجمركية الجديدة تأتي في إطار نهج أوسع يتسم بالتقلب وعدم الاستقرار، بدلًا من أن تستند إلى رؤية اقتصادية متماسكة.


وتحذر من أن آثار هذه السياسات لا يمكن امتصاصها بسهولة عبر الدعم الحكومي أو وضع سقوف للأسعار، لأن الصدمة التي تضرب قلب قنوات نقل الطاقة العالمية وإنتاج النفط ضخمة للغاية.


ترامب عالق.. والعالم يتحمل تكلفة الحرب


تخلص مالك إلى أن العالم كله أصبح، وفق رؤيتها، رهينة لسياسات إدارة أمريكية تستخدم قوتها العسكرية والاقتصادية لخدمة ما تعتبره الكاتبة نزعة شخصية لدى ترامب، في وقت تتحول فيه السياسة الخارجية إلى سلسلة من التحركات التي تستهدف تسجيل النقاط بدلًا من تحقيق نتائج مستقرة وطويلة الأمد.


وترى أن الأمر يمتد من فرض سياسات جمركية حادة إلى التدخل في قضايا ثقافية داخل المؤسسات الأمريكية، وصولًا إلى جر منطقة بأكملها إلى حرب اعتقد ترامب أنها ستكون سهلة وسريعة، وأنها ستمنحه صورة القائد القوي.


وتصف الكاتبة الرئيس الأمريكي بأنه يتعامل مع العالم وكأنه لعبة يمكن العبث بها ثم التخلي عنها، قبل العودة إليها مجددًا وتحريكها من جديد، في نمط من القرارات المتقلبة التي تزيد حالة عدم اليقين على المستوى الدولي.


ولا ترى مالك أي مؤشرات واضحة على قرب انتهاء هذا المسار. فمع استمرار ارتباط دول كثيرة بالنفوذ الأمريكي، يجد المواطنون أنفسهم مضطرين إلى حساب تكاليف متزايدة، سواء تعلق الأمر بالمال أو بأرواح الضحايا أو بالأعباء الاقتصادية الناتجة عن قرارات سياسية اتخذها رئيس واحد، وساعده في تنفيذها مسؤولون وموظفون مهنيون اختاروا الاستمرار في دعمه.


وتحذر من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تحول تكاليفها إلى مجرد ضوضاء خلفية في الحياة اليومية، بحيث يصبح ما كان يبدو مستحيلًا أمرًا طبيعيًا ومتكررًا.


وتعتبر حرب إيران أبرز تجليات هذا الخطر، إذ لم تعد الوعود بتقدمات دبلوماسية أو التهديدات بالتصعيد الحاسم كافية لتغيير الواقع. فقد تحول الصراع إلى حرب باهظة التكلفة تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية والميزانيات الحكومية وميزانيات الأسر يومًا بعد يوم.


وترى الكاتبة أن ترامب عالق في هذه الحرب، وغير قادر على تحمل الثمن السياسي والاستراتيجي الذي قد يترتب على السلام، بينما يدفع الجميع من حوله تكلفة استمرار الصراع.


وفي النهاية، تقدم مالك الحرب باعتبارها نموذجًا لفوضى سياسية تتجاوز حدود الولايات المتحدة وإيران، لتصل آثارها إلى أسعار النفط والغاز، وتكاليف المعيشة، واستقرار الاقتصادات، والإنفاق الحكومي، وأمن الطاقة في مختلف أنحاء العالم.


وبينما تستمر الحرب في إعادة رسم المشهد الجيوسياسي، يظل السؤال الأكبر هو إلى أي مدى يمكن أن تستمر الدول والأسر في تحمل فاتورتها المتزايدة، قبل أن تتحول تداعياتها الاقتصادية والإنسانية إلى واقع دائم يصعب تغييره.

 

https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/jul/27/commander-in-chief-of-chaos-victims-trump-wars